زكريا القزويني
15
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
6 المقدمة الثالثة : في معنى الغريب الغريب : كل أمر عجيب ، قليل الوقوع مخالف للعادات المعهودة والمشاهدات المألوفة ، وذلك إما من تأثير نفوس قوية أو تأثير أمور فلكية أو أجرام عنصرية كل ذلك بقدرة اللّه تعالى وإرادته ( فمن ) ذلك معجزات الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين كانشقاق القمر ، وانفلاق البحر ، وانقلاب العصا ثعبانا ، وكون النار بردا وسلاما ، وخروج الناقة من الصخرة الصماء ، وإبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى ومنها كرامات الأولياء الأبرار فإن تأثير نفوسهم يتعدى إلى غير أبدانهم حتى يحدث عنها انفعالات غريبة في العالم فيشفى المريض باستشفائهم وتسقى الأرض باستسقائهم ، وربما يحدث الخسف والزلزلة والطوفان والصواعق بدعواتهم ، ويصرف الوباء والموتان باستدعائهم ، وتبدل لهم نفرة الطيور بالهدوء والوقوع ، وصولة السباع وشدتها باللين والخضوع . ( ومنها ) إخبار الكهنة والكهانة التي اندرست بمبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم وكانوا يأتون الجاهلية بأمور غريبة ؛ زعموا أنها كانت بواسطة اختلاط نفوسهم بنفوس الجن . ( ومنها ) الإصابة بالعين فإن العائن « 1 » إذا تعجب من شيء كان تعجبه مهلكا للمتعجب منه بخاصية لنفسه لا يوقف عليها . ( ومنها ) اختصاص بعض النفوس من الفطرة بأمر غريب لا يوجد مثله لغيرها ، كما ذكر أن من الهند قوما إذا اهتموا بشيء اعتزلوا عن الناس وصرفوا همتهم إلى ذلك الشيء فيقع على وفق اهتمامهم . ( ومن ) هذا القبيل ما حكي أن السلطان محمود غزا بلاد الهند وكان فيها مدينة كل من قصدها مرض فسأل عن ذلك ؛ فقالوا : إن عندهم جمعا من الهند يصرفون هممهم على ذلك فيقع المرض على وفق اهتمامهم ؛ فأشار عليه بعض أصحابه بدق الطبول ، ونفخ البوقات الكثيرة ليشوش هممهم ففعلوا ذلك فزال المرض واستخلصوا المدينة . ( ومن ) هذا القبيل ما ذكر أن رجلا فيلسوفا في زمن خوارزم شاه محمد بن تكش جاء من بلاد الهند إلى خراسان فأسلم ، وكان يقال له : داناي هند ، يستخرج طالع كل إنسان أراد حتى جربوه بالطوالع الرصيدية فلم يخطئ شيئا ، وزعم أن ذلك له بواسطة حساب يعرفه ، فرفع أمره
--> ( 1 ) العائن : أي : الحاسد .